Friday, 8 April 2016

رحلة عبر التاريخ: واحة باريس





شاء القدر أني اجتمع مع خالتي وزوجها الدكتور عبد الفتاح البيطاش في لوس أنجلوس بكاليفورنيا بعد فراق يزيد عن 4 سنين. كان الدكتور عبد الفتاح — أو توتو كما تعودنا أن ندعوه — موسوعة متحركة من المعلومات. فهو يتذكر كل شيء منذ ثلاثينات القرن الماضي إلى يومنا هذا، بالاسم الثلاثي وبالارقام والحجج. فهو يعرف بعلاّمة العائلة الذي كان ولازال كثير القراءة والإطلاع. و لأنه مقيم بالولايات المتحدة مع زوجته منذ الستينات فلم أئخذ كفايتي من الاستمتاع به ولا من الإستماع إلي قصصه التاريخية. بما أني أعشق سرد القصص كما أعشق التاريخ فالدكتور توتو يعتبر من أشوق الtopics لدي شخصياً.

ثالث يوم لي مع خالتي والدكتور في البيت حيث يستضيفونني لبعض من الوقت خرجنا إلي الغذاء ودار حوار شيق قررت أن اكتب عنه. أنا في عادتي مؤخراً أن اصطحب معي نوتة و قلم و خصوصاً في وقت السفر، نفس حال الكاميرا تمام. الدكتور بدأ يتحدث عن سنة ٤٨ في مصر و عن واحة اسمها Paris وعن أزمة مية في الواحات وعن حالة تفشي ملاريا!

طبعاً أنا إزبهليت من كام أول ثانية. أولاً، أنا بأعتبر نفسي محظوظ اني زرت جميع واحات الصحراء الغربية، أو التي كنت أعتقد انهم جميعاً: البحرية، الفرافرة، الداخلة، الخارجة، سيوة و الفيوم طبعاً، وأكثر من مرة. ثانياً، واحة اسمها باريس و في مصر ولم أسمع عنها من قبل؟ و ما تلك الازمة وما هو موضوع الملاريا؟ ثانية واحدة سعادتك...فلمعت عيناي وقتها وأخرجت القلم والنوتة و بدأ انترفيو ممتع طال لمدة ثلاثة أيام.


الدكتور عبدالفتاح البيطاش ولد سنة ١٩٣١ في شارع أمير حليم بحي الزمالك. كان والده الدكتور محمد حسين البيطاش الذي كان وكيل وزارة الصحة في ١٩٥٦ وقت الجمهورية العربية المتحدة، أي وقت توحيد مصر وسوريا، ثم أصبح وكيل الوزارة المركزية في أوائل الستينات نفس وقت زواج ابنه بخالتي. تخرج الدكتور توتو عام ١٩٥٣ وعمل بالقصر العيني و مستشفي أحمد ماهر حتي عام ٥٨ إلي أن جاء له أمر تكليف من الجيش. و بما إنه دكتور فبعد ٧ أيام تدريب — بدون سلاح — عين يوزباشي بثلاث نجوم، و بقي سنة واحدة حتي استأنف عمله بمستشفي أحمد ماهر إلي أن سافر إلي ولاية ديلاور بالولايات المتحدة في ١٩٦٢.

أكيد معظم المصريون يعرفون منطقة وشارع البيطاش بالعجمي وهي مسماه بهذا لأنهم كانوا يمتلكون المنطقة وذلك من وقت الجد الكبير الذي أتي من المغرب في أوائل القرن ال١٩; ١٤ فدان بالظبط كانت ملك إلي الدكتور حسين وحده، وهو كان واحد من أصل ٤ أخوات كانت لديهم أراضي في نفس المنطقة. تلك الأرض أخذت منهم وقت الحرب العالمية الثانية من ١٩٣٩ إلي ١٩٤٥ حيث كانت تمثل خط دفاع الجيش الانجليزي عن منطقة الاسكندرية بأكملها، و يتذكر الدكتور من أيام صباه أنها كانت مليئة بالمدافع و الرشاشات في ذلك الوقت. ويتذكر ايضاً أن مدام شيكوريل صاحبة محلات شيكوريل اليهودية الأصل كانت تقطن بنفس المنطقة, وكان ذلك سبب أن فرش البيت هناك كان من عند محلات شيكوريل.


ما هو موضوع الملاريا يا دكتور و ما هذه الواحة التي تسمي Paris؟

”وأنا في الثانوية في مدرسة السعدية والدي بما إنه أخصائي أمراض متواطنة (endemic) جاله "تكليف" للتصدي لمرض الملاريا الذي تفشى في الواحات بسبب وجود فائض في الميه. الميه الكتير تجيب ناموس والناموس بينقل الملاريا. ده كان وقت اجازة نص السنة و رحنا أنا و صديقي عطية البنداري اللي أبوه كان دكتور البنداري اللي هو بردو كان ضمن الحملة و كان صديق أبويا. كانت القافلة تتكون من عربيات نقل كبيرة و أخري نص نقل اللي ركبنا في واحدة فيهم أنا وعطية و كنا قاعدين في الضهر و ساندين علي الاستبن. طريق الواحات كان من أسيوط و كان كله مدئات، يعني مفيش شوارع، والوحيد اللي يعرف السكة هو اسطة حسين السواق الكان قائد الموكب.

في الواحات الابار هي كل حاجة، يعني السؤال مكانش عندك كان فدان...لأ عندك كام بير. كان النظام إيه بقي انهم يمدوا المواسير في الارض بس من مناطق عليا، يعني ٣٠-٤٠ متر والمية كانت تطلع من غير ولا موتورات ولا حاجة. كان بيبنوا ذي حوض أو حمام سباحة كبير تحتها لحفظ المية اللي طالعة وكان بيتملي و تنزل منه علي الاراضي فكل الاتجاهات. الزراعة كانت فعلاً تفوق الوصف و كان فيه كل أنواع الخضار و الفاكهة لكن المشكلة الوحيدة إن ماكنش فيه طرق لتوصيل المحاصيل إلي المحافظات. كانت ألاف مؤلفة من الفدادين المزروعة و مية في كل حتة لكن محدش كان عارف يستفيد بهذه المنطقة الغنية. علشان كدة بعد سنين كثيرة بدأ موضوع الوليد ابن طلال و المشروع إللي اسمه...توشكي.

وقت الحملة كنا بنقعد يوم أو يومين فكل واحة، يرشوا DDT علي المية الراكدة و بس. الكرم هناك كان بزيادة والعزومات كانت تتوالي علينا خصوصاً إن كل عمدة كان يعرف أبويا لأنه أول ما اتخرج سنة ١٩٢٣ بعتوه على الواحات لمدة سنة وبقي دكتور هناك، ففي ٤٨ كل ولاد العُمَدٌ بقوا هما العُمَدٌ.

واحة الداخلة كانت أغناهم، والملاريا ماوصلش لسيوة. الديوك الرومي كانت للركب و جوز الفراخ كان بقرش تعريفة (يعني ٥ مليم للمايعرفش). كانوا يبعتوا معاناه شويليت برتقال و بلح يقعدوا يحملوها في العربية ساعتين...ييجي بتاع كام ألف برتقالة وكميات بلح قعدت عندي فالقاهرة لمدة سنة بعدها. بس وتم القضاء علي الملاريا في المنطقة. أتذكر وقت هذه الحملة إن النقراشي باشا تم اغتياله...اجازة نص السنة ديسمبر ١٩٤٨.

أما باريس ديه بقي تبقي واحة من الواحات اللي الملك فاروق كان ناوي يزرع فيها ١٠٠,٠٠٠ فدان. وكان عمل فيها إستراحة غرفتين وصالة قعدنا فيهم لما رحنا. الراجل كان عارف قيمتها لكن الثورة قامت ومافيش حاجة حصلت لفترة بعدها.

كما علمت لاحقاً عن طريق معلمي Google أن Paris تعرف الان بمركز باريس وهي توجد علي بعد ٩٠ كم جنوب الخارجة. يوجد بالمنطقة معبد "دوش" الروماني الذي بني للإله سيرابيس، Serapis أو Sarapis، وهو إلاه إغريقي/مصري ظهر في العقد الثالث قبل الميلاد بأمر من بطليموس الاول (حكم ٣٠٥-٢٨٤ قبل الميلاد) في سبيل توحيد اليونانيون والمصريين. كما علمت أيضاً أن محافظة الوادي الجديد التي اقيمت في عهد عبدالناصر تمثل ٤٤٪ من مساحة مصر يعيش عليها ٢٠٠,٠٠٠ نسمة فقط!


إيه بعض الاسعار الاخري اللي تتذكرها من هذا الزمن الجميل؟

ال٤-٥ بيضات كانوا بقرش...كله كان بالرطل و الوقية. ٢ أو ٣ صاغ كانوا يجيبوا رطل لحمة و الخضار كان بيتاخد فوق البيعه من شارع حسن صبري في الزمالك. و العجيل كان في الاصل بقال (فعلاً؟). ٢ Cadbury شكولاتة سادة بقرش تعريفة (٥ مليم) و ال-٢ اللي ببندق بقرش صاغ (١٠ مليم). الجزمة الباتا في ٣٦ كانت ب١٠ صاغ. في ٤٨ الأيس كريم البسكوتة كان بقرش صاغ. العربيات مثلاً، فعندك ال-Pontiac سنة ٣٦ كانت ب٢٠٠ أو ٣٠٠ جنيه...ال-Mercury سنة ٤٩ كانت ب-٨٠٠!
و القرش المخروم والمليم اللي كان بيجيب بنبوني والسنترال وحاجات خيالية تانية كتير لكن للاسف كان لازم أوقف لأن المواضيع كانت بتتشعب والدكتور ليس لديه
أي مانع أن يستغرق في ذكرياته طوال اليوم و يسرد لي تلك الحواديت الشيقة، وهو شيء يسعدني طبعاً لكن أردت أن اضع تلك المعلومات في مقال واحد فوجب أن انتقي.

الطريف أن بعد هذا المقال أحد أقاربي ارسلت لي لينك YouTube لفيلم أبيض وأسود لم أشاهده من قبل إسمه زوجة من باريس، و هو بطولة رشدي أباظة وفؤاد المهندس ونبيلة عبيد، وتدور أحداث الفيلم فعلاً في واحة باريس.


ودمتم حالمين مثقفين :}



Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

No comments:

Post a Comment